فصل: سورة يس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (43):

{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)}
{استكبارا فِي الأرض} بدل من {نُفُورًا} وقال أبو حيان: الظاهر أنه مفعول من أجله، ونقل الأول عن الأخفش، وقيل: هو حال أي مستكبرين {وَمَكْرَ} هو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له، وقال قتادة هو الشرك وروي ذلك عن ابن جريرج، وهو عطف على {واستكبروا استكبارا} وأصل التركيب وأن مكروا الشيء على أن {السيء} صفة لموصوف مقدر أي المكر المسيء ثم أقيم المصدر مقام أن والفعل وأضيف إلى ما كان صفة، وجوز أن يكون عطفًا على {إِلاَّ نُفُورًا} وقرأ الأعمش. وحمزة {السيء} باسكان الهمزة في الوصل إجراء له مجرى الوقف أو لتو إلى الحركات وإجراء المنفصل مجرى المتصل، وزعم الزجاج أن هذه القراءة لحن لما فيها من حذف الاعراب كما قال أبو جعفر.
وزعم محمد بن زيد أن الحذف لا يجوز في نثر ولا شعر لأن حركات الاعراب دخلت للفرق بين المعاني، وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش قرأ بها، وقال: إنما كان يقف على هذه الكلمة فغلط من أدى عنه، والدليل على هذا أنها تمام الكلام ولذا لم يقرأ في نظيرها كذلك مع أن الحركة فيه أثقل لأنها ضمة بين كسرتين، والحق أنها ليست بلحن، وقد أكثر أبو علي في الحجة من الاستشهاد والاحتجاج للإسكان من أجل توالي الحركات والوصل بنية الوقف، وقال ابن القشيري: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أنه قرئ به فلابد من جوازه ولا يجوز أن يقال لحن، ولعمري أن الإسكان هاهنا أحسن من الإسكان في {إلى بَارِئِكُمْ} كما في قراءة أبي عمرو، وروي عن ابن كثير {وَمَكْرَ} بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة وهو مقلوب السيء المخفف من السيء كما قال الشاعر:
ولا يجزون من حسن بسيء ** ولا يجزون من غلظ بلين

وقرأ ابن مسعود {مَكْرًا سَيّئًا} عطف نكرة على نكرة {وَلاَ يَحِيقُ المكر} أي لا يحيط {السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}.
وقال الراغب: أي لا يصيب ولا ينزل، وأيًا ما كان فهو إنما ورد فيما يكره، وزعم بعضهم أن أصل حلق حق فجيء بدل أحد المثلين بالألف نحو ذم وذام وزل وزال، وهذا من ارسال المثل ومن أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا، وعن كعب أنه قال لابن عباس: قرأت في التوراة من حفر مغواة وقع فيها قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى فقرأ الآية، وفي الخبر «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرًا فإن الله تعالى يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولا تبغوا ولا تعينوا باغيًا فإن الله سبحانه يقول: {إنما بغيكم على أنفسكم} [يونس: 23]».
وقد حاق مكر هؤلاء بهم يوم بدر.
والآية عامة على الصحيح والأمور بعواقبها والله تعالى يمهل ولا يهمل ووراء الدنيا الآخرة وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وبالجملة من مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلًا في الظاهرففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك، أسأل الله تعالى بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يدفع ويرفع عنا مكر الماكرين وأن يعاملهم في الدارين بعدله إنه سبحانه القوى المتين. وقرئ {وَلاَ يَحِيقُ} بضم الياء {المكر} بالنصب على أن يحيق من أحاق المتعدى وفاعله ضمير راجع إليه تعالى و{يَحِيقُ المكر} مفعوله {فَهَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينتظرون، وهو مجاز بجعل ما يستقبل نزلة ما ينتظر ويتوقع {إِلا سُنَّتُ الاولين} أي إلا سنة الله تعالى فيهم بتعذيب مكذبيهم.
{فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا} بأن يضع سبحانه موضع العذاب {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلًا} بأن ينقل عذابه من المكذبين إلى غيرهم، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من مجيئه، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما، والخطاب عام أو خاص به عليه الصلاة والسلام.

.تفسير الآية رقم (44):

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)}
{أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ} استشهاد على ما قبله من جريان سنة الله تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلتهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الأمم الماضية وعلامات هلاكهم، والهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام على رأي أي أقعدوا ولم يسيروا، وقوله تعالى: {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها.
{وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ} أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه ويفوته {مِن شَيْء} أي شيء ومن لاستغراق الأشياء {فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} هو نظير {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} [الكهف: 49] والواو حالية أو عاطفة.
وفي الإرشاد الجملة اعتراض مقرر لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السالفة، وظاهره أن الواو اعتراضية.
{إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} مبالغًا في العلم والقدرة، والجملة تعليل لنفي الإعجاز.

.تفسير الآية رقم (45):

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)}
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس} جميعًا {ا كَسَبُواْ} فعلوا من السيآت كما واخذ أولئك {مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا} أي ظهر الأرض وقد سبق ذكرها في قوله تعالى: {فِي السموات وَلاَ فِي الأرض} [فاطر: 44] فليس من الاضمار قبل الذكر كما زعمه الرضى؛ وظهر الأرض مجاز عن ظاهرها كما قال الراغب. وغيره، وقيل: في الكلام استعارة مكنية تخييلية والمراد ما ترك عليها {مِن دَابَّةٍ} أي من حيوان يدب على الأرض لشؤم المعاصي، وقد قال سبحانه: {واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وهو المروى عن ابن مسعود، وقيل: المراد بالدابة الانس وحدهم وأيد بقوله تعالى: {ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} وهو يوم القيامة فإن الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء نوعهم، وقيل: هو لجميع من ذكر تغليبًا ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} فيجازي المكلفين منهم عند ذلك بأعمالهم إن شرا فشر وإن خيرًا فخير، وجملة «فإن الله» إلخ موضوعة موضع الجزاء والجزاء في الحقيقة يجازي كما أشرنا إليه، هذا والله تعالى هو الموفق للخير ولا اعتماد إلا عليه.
ومن باب الإشارة: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض} إشارة إلى إيجاد عاملي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة مقدم على إيجاد عالم الكثافة، ويشير إلى ذلك ما شاع خلق الله تعالى الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة {جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا} في إيصال أو أمره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في مخلوقاته على أيديهم {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع} إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد {يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاء} [فاطر: 1] عام في الملك وغيره، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] {مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} الزيادة المشار إليها وغيرها {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] فيه إشارة إلى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه عز وجل: {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} [فاطر: 4] تسلية لحبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على إيذاء اعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم {والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9] جرت سنته تعالى في أحياء الأرض بهذه الكيفية كذلك إذا أراد سبحانه احياء أرض القلب فيرسل أولا رياح الإرادة فتسير سحاب المحبة ثم يأتي مطر الجود والعناية فينبت في القلب رياحين الروح وأزهار البسط ونوار الأنوار ويطيب العيش.
{مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعًا}
[فاطر: 10] إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء، ولا تغفل عن حديث: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» إلخ {والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} وهو أبعد المخلوقات من الحضرة وأسفلها وأكثفها {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} وفيها نوع ما من اللطافة {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا} [فاطر: 11] إشارة إلى ما حصل لهم من ازدواج الروح اللطيف العلوي والقالب الكثيف السفلى وهو مبدأ استعداد الوقوف على عوالم الغيب والشهادة {وَمَا يَسْتَوِى البحران} قيل أي بحر العلم الوهبي وبحر العلم الكسبي {هذا} أي بحر العلم الوهبي {عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ} لخلوه عن عوارض الشكوك والأوهام {وهذا} أي بحر العلم الكسبي {مِلْحٌ أُجَاجٌ} لما فيه من مشقة الفكر ومرارة الكسب وعروض الشكوك والتردد والاضطراب {وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} إشارات لطيفة تتغذون بها وتتقون على الأعمال {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وهي الأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة والأحوال المستحسنة التي تكسب صاحبها زينة {وَتَرَى الفلك} سفن الشريعة والطريقة {فِيهِ مَوَاخِرَ} جارية {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [فاطر: 12] بالوصول إلى حضرته عز وجل فعل ذلك {خَبِيرٍ ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله} في سائر شؤونكم، ومراتب الفقر متغاوتة وكلما ازداد الإنسان قربًا منه عز وجل ازداد فقره إليه لازدياد المحبة حينئذ وكلما زاد العشق زاد فقر العاشق إلى المعشوق حتى يفني {والله هُوَ الغنى الحميد} [فاطر: 15] فيه من البشارة ما فيه {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] أي العلماء به تعالى وبشؤونه فهم كلما ازدادوا علما ازدادوا خشية لما يظهر لهم من عظمته عز وجل وأنهم بالنسبة إليه تعالى شأنه لا شيء {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله} [فاطر: 32] قيل: الظالم لنفسه السالك والمقتصد السالك المجذوب والسابق المجذوب السالك، والسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه عز وجل: {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن} حزن تخيل الهجر فلا حزن للعاشق أعظم من حزن تخيل هجر معشوقه له وجفوته إياه {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] فلا بدع إذا أذهب عنا ذلك وآمننا من القطيعة والهجران {الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه سبحانه: {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 35] هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر الحبيب، وقيل: لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل الله تاعلى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، هذا ونسأل الله تعالى من فضله الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب ودود.

.سورة يس:

صح من حديث الإمام أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن معقل بن يسار أن رسول الله قال يس قلب القرآن وعد ذلك أحد أسمائها وبين حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة وجه إطلاق ذلك عليها بأن المدار على الإيمان وصحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فيها على أبلغ وجه وأحسنه ولذا شبهت بالقلب الذي به صحة البدن وقوامه وأستحسنه الإمام الرازي وأورد على ظاهره أن كل ما يجب الإيمان به لا يصح الإيمان بدونه فلا وجه لاختصاص الحشر والنشر بذلك وأجيب بأن المراد بالصحة في كلام الحجة ما يقابل السقم والمرض ولا شك أن من صح إيمانه بالحشر يخاف من النار ويرغب في الجنة دار الأبرار فيرتدع عن المعاصي التي هي كأسقام الإيمان إذ بها يختل ويضعف ويشتغل بالطاعات التي هي كحفظ الصحة ومن لم يقو إيمانه به كان حاله على العكس فشابه الاعتراف به بالقلب الذي بصلاحه يصلح البدن وبفساده يفسد وجوز أن يقال وجه الشبه بالقلب أن به صلاح البدن وفساده وهو غير مشاهد في الحس وهو محل لانكشاف الحقائق والأمور الخفية وكذا الحشر من المغيبات وفيه يكون انكشاف الأمور والوقوف على حقائق المقدور وبملاحظته وإصلاح أسبابه تكون السعادة الأبدية وبالإعراض عنه وإفساد أسبابه يبتلي بالشقاوة السرمدية وفي الكشف لعل الإشارة النبوة في تسمية هذه السورة قلبا وقلب كل شيء عليه وأصله الذي ما سواه إما من مقدماته وإما من متمماته إلى ما أسلفناه في تسمية الفاتحة بأم القرآن من أن مقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب إرشاد العباد إلى غايتهم الكمالية في المعاد وذلك بالتحقق والتخلق المذكورين هنالك وهو المعبر عنه بسلوك الصراط المستقيم ومدار هذه السورة الكريمة على بيان ذلك أتم بيان.
ويعلم منه وجه اختصاص الحشر بما ذكر في كلام الحجة فلا وجه لقول البعض في الاعتراض عليه فلا وجه إلخ وسيأتي إن شاء الله تعالى آخر الكلام في تفسير السورة الإشارة إلى ما اشتملت عليه من أمهات علم الأصول والمسائل المعتبرة بين الفحول وتقريرها إياها بأبلغ وجه وأتمه ولعل هذا هو السر في الأمر الوارد في صحيح الأخبار بقراءتها على الموتى أي المحتضرين وتسمى أيضا العظيمة عند الله تعالى.
أخرج أبو نصر السجزي في الإبانة وحسنه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله إن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله تعالى ويدعى صاحبها الشريف عند الله تعالى يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر.
وهي سورة يس وذكر أنها تسمى أيضا المعمة والمدافعة القاضية.
أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن حسان بن عطية أن رسول الله قال: «سورة يس تدعى في التوراة المعمة تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة وتكابد عنه بلوى الدنيا والآخرة وتدفع عنه أهاويل الدنيا والآخرة وتدعى المدافعة القاضية تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة الخبر وتعقبه». البيهقي فقال: تفرد به محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الجدعاني عن سليمان بن دفاع وهو منكر.
وهي على ما أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس مكية وأستثنى منها بعضهم قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى} الآية مدعيا أنها نزلت بالمدينة لما أراد بنو سمة النقلة إلى قرب مسجد النبي وكانوا في ناحية المدينة فقال عليه الصلاة والسلام: «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا وسيأتي إن شاء الله تعالى ما قيل في ذلك وقوله سبحانه: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} الآية لأنها نزلت في المنافقين فتكون مدنية.
وتعقب بأنه لا صحة له وأيها ثلاث وثمانون آية في الكوفي واثنتان وثمانون في غيره.
وجاء مما يشهد بفضلها وعلو شأنها عدة أخبار وآثار وقد مر آنفا بعض ذلك وصح من حديث معقل بن يسار لا يقرؤها عبد يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وأخرج الترمذي والدارمي من حديث أنس من قرأ يس كتب الله تعالى له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات ولا يلزم من هذا تفضيل الشيء على نفسه إذ المراد بقراءة القرآن قراءته دون يس.
وقال الخفاجي: لا يلزم ذلك إذ يكفي في صحة التفضيل المذكور التغاير الاعتباري فإن يس من حيث تلاوتها فردة غير كونها مقروءة في جملته كما إذا قلت: الحسناء في الحلة الحمراء أحسن منها في البيضاء وقد يكون للشيء مفردا ما ليس له مجموعا مع غيره كما يشاهد في بعض الأدوية ورجا أن يكون أقرب مما قدمنا وأنا لا أرجو ذلك والظاهر أنه يكتب له الثواب المذكور مضاعفا أي كل حرف بعشرة حسنات ولا بدع في تفضيل العمل القليل على الكثير فلله تعالى أن يمن بما شاء على من شاء ألا ترى ما صح أن هذه الأمة أقصر الأمم أعمارا وأكثرها ثوابا وإنكار الخصوصيات مكابرة ولله تعالى در من قال: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وذكر بعضهم أن من قرأها أعطى من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين أن من قرأها فكأنما قرأ القرآن إحدى عشرة مرة.
وعن أبي سعيد أنه قال من قرأ يس مرة فكأنما قرأ القرآن مرتين.
وحديث العشر مرفوع عن ابن عباس ومعقل بن يسار وعقبة بن عامر وأبي هريرة وأنس رضي الله تعالى عنهم فعليه المعول.
ووجه اتصالها بما قبلها على ما قاله الجلال السيوطي أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله سبحانه: {وجاءكم النذير} وقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانكم لئن جاءهم نذير} إلى قوله سبحانه: {فلما جاءهم نذير} وأريد به محمد وقد أعرضوا عنه وكذبوه افتتح هذه السورة بالإقسام على صحة رسالته عليه الصلاة والسلام وأنه على صراط مستقيم لينذر قوما ما أنذر آباؤهم، وقال سبحانه في فاطر: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل} وفي هذه السورة: {والشمس تجري لمستقر لها والقمر قدرناه منازل} إلى غير ذلك ولا يخفى أن أمر المناسبة يتم على تفسير النذير بغيره أيضا فتأمل.
بسم الله الرحمن الرحيم